|
صباح يوم الجمعة 9 يونيو 1995 استيقظت على
رنين الهاتف .. كان على الجانب الأخر صوت نقيبنا الحالي الزميل الكبير الأستاذ
جلال عارف .. قال بلهجة تلغرافية : " أنا بمكتب الأستاذ هيكل ، نحن في انتظارك ،
حاول أن تأتى إلينا بسرعة "
المكالمة سرقتني من النوم الى اليقظة الفجائية
وطريقة الاستدعاء لم تمهلني لمزيد من الإيضاح أو المناقشة . وتذكرت على الفور أنني
ظهر اليوم السابق بعثت برسالة عبر الفاكس من نقابة الصحفيين الى مكتب الأستاذ هيكل
موقعة باسمي بصفتي سكرتيرا عاما مساعد ، قلت فيها ولم أزد " .. جمعيتنا العمومية
بعد غد السبت العاشر من يونيو .. مازلنا ننتظر كلمتك "
كان القانون 93 الذي صدر مساء 27 مايو 1995 قد
أثار ردود فعل واسعة غاضبة في أوساط الصحفيين واعتبرته القوى السياسية والوطنية
وأصحاب الرأي ضربة قاصمة لحرية الصحافة ، ووصفته الكتابات على الفور بأنه قانون
حماية الفساد بعد أن صدر بليل ودون مناقشة .
عشرات التفاصيل استدعيها كلما لاح في الأفق
يوم العاشر من يونيو كل عام .. فهو ذكرى موعد عقد الجمعية العمومية التاريخية الذي
حدده اجتماع طارئ لمجلس النقابة في 29 مايو 1995 ، هذا الاجتماع كان حاسماً وحاكما
لمسار معالجة هذه الأزمة ووضع إطارها العام ، ففيه تقررت دعوة الجمعية العمومية
غير العادية للانعقاد والتمهيد لها بعقد مؤتمر عام للصحفيين مساء الخميس الأول من
يونيو حضره اكثر من ألف صحفى ، وكان مؤشرا لا يخلو من دلالة ، ثم أعقبه تنظيم
اعتصام احتجاجي للصحفيين يوم الثلاثاء 6 يونيو بمقر النقابة شارك فيه الصحفيون من
كل المؤسسات والأجيال والاتجاهات .
هذه المعركة حفرت لها مكانا خاصاً في تاريخ
النقابة ، وفى قلب خبرتي النقابية ، فقد داهمت تلك المحنة مجلس النقابة بعد أسابيع
فقط من دورة جديدة بدأت أواخر مارس 1995 وتفاعلت فيها خبرة النقابي المحنك مع
حيوية النقابي المتحمس ، وتجلت عبقرية الجمعية العمومية في المزج بين غضب الكبار
من قانون جائز كفيل بقصم ظهر المهنة وجيل مشتعل مازال يخطو أولى خطواته في العمل
فصدمه ظلم قانون يحاول أن يلغى مهنته إضافة الى ظلام واقعه المؤسسي والاجتماعي
والاقتصادي ، ولم يكن لديه ما يتنازل عنه فقرر العصيان .
أذكر أن أول من اتصلت به في ساعة متأخرة مساء
يوم صدور القانون زميلي عضو المجلس رجائي الميرغنى الذي كان رأيه أن يكون رد فعلنا
سريعا وحاسما .. وكان أول من قابلته صباح اليوم التالي بالنقابة زميلي عضو المجلس
وأمين الصندوق مجدي مهنا الذي كان يشغله أن يصل رأى النقابة بشكل دقيق وواضح غير
ملتبس فى كلمة نقابة الصحفيين ، التي كانت تقليدا سنوياً في برنامج الاحتفال بعيد
الإعلاميين ، والذي كان مقررا له صباح اليوم التالي 29 مايو . وتوالى وصول بعض
الزملاء أعضاء المجلس وبعد أن تشاورنا قررنا إصدار بيان سريع نعلن فيه رفضنا
القاطع للقانون الذي يستهدف حرية الصحافة ولا يحترم المصالح العليا للوطن . كما
قررنا أن تكون كلمة النقابة في عيد الإعلاميين مكتوبة ومتفقاً عليها بيننا .. ورحب
زميلنا الراحل جلال عيسى – الذي كان سيلقى هذه الكلمة لتصادف سفر النقيب ابراهيم
نافع للخارج – وقال : " أنا معكم في كل ما تتفقون عليه " ، وذهب ألقى كلمة النقابة
" مكتوبة " بشجاعة ، وطالب رئيس الجمهورية بعدم التصديق على القانون أعادته الى
مجلس الشعب من جديد وطرحه لمناقشة عامة واستطلاع رأى الصحفيين .
ورغم ذلك تم التصديق على القانون واحتدمت
الأزمة وتفاعلت وخرجت كل الأقلام تنتقد وترفض ، وارتفع مؤشر درجة حرارة الحدث
ليقترب من الغليان ، وتحول مبنى النقابة القديم الى خلية عمل لا تستطيع أن تفرق
فيها بين اجتماعات المجلس وحلقات النقاش التلقائية للصحفيين التي احتضنتها حديقة
النقابة ، تنعقد ثم تنفض لتنعقد ، وهكذا
في هذه الأجواء التي حفلت بعشرات التفاصيل ..
ووسط هذا الصخب الغاضب من الكتابات اليومية بكل ألوان التناول الصحفي ، وقبل يومين
من جمعية 10 يونيو ، تذكرت أن صوتا مهماً وفريدا في المهنة وقيمة كبرى في الوطن لم
ينطلق بعد .. وقلت أن للأستاذ هيكل حساباته ، وهذا حقه ، لكنه حتى بالحسابات تقتضي
طبيعة هذه الأزمة أن يقول كلمته ، وخاطبته وظني أن حماسي يغلبني لكن كان الحماس هو
الذي يصيغ كل تفاصيل هذه اللحظات النادرة .
وعندما دخلت مكتب الأستاذ هيكل وجدته خلف
مكتبه بكامل أناقته المعتادة وأمامه يجلس الأستاذ جلال عارف ، الذي علمت أنه طلب
أن يراه ليتعرف على رأيه في الأزمة وكيفية الاتصال بي .
وعلى الفور وجه كلامه الى : " طلبت كلمتي وجئت
الى مكتبي في يوم عطلة لكي اكتبها لك على الورق "، وأعطاني نسخة مكتوبة بالقلم
الرصاص وطلب بطريقة ، لا تعطى فرصة للاختيار ، أن أتنحى جانباً على " فوتيه " في
ركن الحجرة كي اقرا ما كتبه أقول رأيي ، وفى حالة يشوبها الارتباك من الموقف
ومحاولة تمثيل أداء المطلوب بالأمر انتهيت من آداء المهمة وقلت : " عظيم يا أستاذ
" .. فأمر بطباعتها وقام بمراجعتها اكثر من مرة ، وقال في لهجة حاسمة وهو يعطيني
نسخة : " هذه كلمتي ، وأنت مؤتمن عليها "
كان مجلس النقابة منعقدا مساء اليوم نفسه
للإعداد لأعمال الجمعية العمومية صباحا وقبل أن اعرض الأمر على المجلس بادرني
النقيب ابراهيم نافع ونحن نتأهب لدخول الاجتماع قائلا " " أنت الذي ستلقى كلمة
الأستاذ هيكل " وعرفت انه اتصل به .
كان اجتماع الجمعية العمومية السبت 10 يونيو
1995 حدثا كبيرا قادته الجماعة الصحفية بكل تنويعاتها وكان أعضاء مجلس النقابة بكل
اختلافاتهم الفكرية والمؤسسية والعمرية على قدر كبير من المسئولية ، وكانت كلمة
هيكل حدثاً مدويا أعطى وقودا وزد المعركة استمرت على مدى عام ، واستطاعت – بما
يملكه صاحبها من رؤية اشمل واعمق للازمة – أن توحد إيقاع مشاعر غضب الكبار وثورة
الشباب وخرجت بالقضية الى آفاق ارحب عربياً ودوليا ، أصبحت من الأدبيات المهنية
والنقابية والسياسية الرفيعة بكل المقاييس ، وكرست في رأيي ، وأنا اطل على المشهد
بعد عشر سنوات ، جدية التعامل مع الأزمة ، فبعدها طرح لأول مرة الاختيار الصعب على
سلطة تعودت على ثقافة الإملاء وهو كيف السبيل للخروج من الورطة؟،
وقبضت الجمعية العمومية خلال عام كامل على طرف
الخيط وساهمت في الإجابة عن سؤال وفتحت طريقا للتراجع .
تستحق منا هذه المعركة بعد 10 سنوات على
مرورها أن نعمل على تسجيلها كي تحتفظ بها الذاكرة النقابية ، ففيها الكثير من
التفاصيل والمواقف والخبرة بل والأسرار التي يجب أن نتيحها لأجيال جديدة من
الزملاء تلتحق كل يوم بالمهنة والنقابة .
ولهذه المعركة رموز من شباب المهنة وشيوخها ،
فلا يمكن أن أنسى تمسك شباب الصحفيين بان يتحول العاشر من يونيو الى عيد سنوي
للصحفيين ولا يمكن أن تغفل ذاكرتي كلمات شيخ النقباء حافظ محمود الشامخة عندما
تحدث في لقاء ضم أعضاء المجلس والنقابيين السابقين مع الرئيس مبارك لبحث إيجاد حل
للازمة ، ولا فروسية وداب كامل زهيرى نقيب النقباء الذي جند كل وقته وخبرته على
مدى عام كامل لخروج النقابة والمهنة منتصرة في هذه المعركة ، ولا موقف ابراهيم
نافع الذي انحاز لاختيارات الجمعية العمومية وتقدم باستقالته منضما لقرار اتخذه
أعضاء المجلس في لحظة بدا أن الأمور قد وصلت الى طريق مسدود ، ولا جلال عارف الذي
نصبته الجمعية العمومية متحدثاً بضميرها ، ولا جلال عيسى الذي اختار الموقف
النقابي الشريف ودفع الثمن ، وكنه حصل مقابله احتراماً وتقديرا يليق باختياره
مواقف كثيرة ورجال سيأتي الوقت ليسجل عطاءهم
وادوارهم المشهودة في الدفاع عن حرية الصحافة
في هذه المعركة .
كان خروج النقابة من معركة رفض محاولة الرئيس
السادات تحويل النقابة الى ناد عام 79 ، ثم دخولها الى معركة رفض القانون 93 لسنة
95 هى نفسها المسافة بين معرفة طريقي الى النقابة ثم دخولي عضوا في مجلسها ، وبين
المسافتين والمعركتين أيقنت أن وحدة الصحفيين ليست شعارا للاستهلاك بل ضرورة
بدونها نضع بذرة العصف بكياننا النقابي ، كما أدركت أننا في مهنة لا يملكها
أصحابها بل يملكها وطن
|