|
غير اننا نقترح تطوير مهمة هذه اللجنة بعد
توسيع عضويتها وتقوية تمثيلها لتكون مكفلة بما هو أوسع وأعمق من قضية تسهيل مهمة
الصحفيين في الوصول لمصادر الأخبار فقط رغم أهميتها الفائقة اذ اننا نعتقد أن
القضية الجوهرية التي يجب على لجنة الحوار بحثها هي قضية علاقة الصحافة ووسائل
الإعلام بسلطة الدولة في عصر ينادي بالديمقراطية ويسعى للتعددية ويمارس التخصصية.
فرغم أن سياسة الدولة تقوم حاليا على
الليبرالية خصوصا في المجال الاقتصادي، حيث تنشط سياسة آليات السوق وحرية رأس
المال ونقل الملكية العامة إلى القطاع الخاص الا أن نصوص الدستور والقوانين
المتراكمة من سنوات ماضية، تنص على غير ذلك مما أوجد حالة من ان
فصام الشخصية.
فإن طبقنا هذا على أوضاع الصحافة ووسائل
الإعلام الاخرى فسنجد حالة انفصام الشخصية اشد واوضح ولذلك فإن علينا أن ندرس
بروية وعمق طبيعة العلاقة بينها وبين الدولة التي تملكها الآن –وفقا لقانون سلطة
الصحافة 148 لسنة 1980- وأن نبحث عن مستقبل هذه العلاقة الحاكمة في ظل التوجه
الديمقراطي بجانبيه السياسي والاقتصادي، وبما يفرضه من تعددية صحفية وإعلامية
وثقافية وبما يقتضيه من اطلاق حرية إصدار الصحف وإنشاء الإذاعات المسموعة والمرئية
وفقا لقواعد الديمقراطيات الاخرى- فضلا عن تحصين حرية الرأي وضمان حقوق النقد
والاجتهاد والابداع والاعتقاد وليس التضييق عليها، والتفتيش في افكار أصحاب الرأي
ومعاقبتهم حتى على النوايا!
فان كان لإصدار القانون الأخير المشدد
للعقوبات، سلبيات كثيرة فإن له ايجابية مهمة هي فتح الباب لتعميق بحث القضية
الجوهرية هذه علاقة الصحافة بالسلطة من الآن فصاعدا وعلينا أن نبحثها بحكمة العقل
ودقة الدراسة وعلمية الحوار حتى لا ينفلت الحوار فيرتد علينا مرة أخرى كالرصاص
الطائش.
والخلاصة أن جميع الاطراف في مأزق بسبب التسرع
في إصدار هذا القانون "الغليظ" وعلينا جميعا أن نبحث عن مخرج.
يشهد الله، أن زمان الحرف والحرفية قد تدهور
في مصر التي كانت على مر التاريخ شديدة التميز بأصول الصنعة ودقة الحرفة ومهارة
الصناع وشطارة الحرفيين الآن جاء زمان غير الزمان.
انظر إلى مهارة النحات وعبقرية الرسام المصري
القديم الذي حافظ على أصول ورونق الحضارة الفرعونية حتى اليوم وكأنها على حالها
الأول ولاحظ الإسهام الهائل الذي شارك به الحرفي المصري في الحضارات اليونانية
والرومانية ثم القبطية والإسلامية في الفنون والعلوم والثقافة والتشريع والعمارة
والطب والهندسة والأخلاق!
هل مازلنا نحافظ على تراث الصنعة ومهارتها
وفنونها وأخلاقياتها وقواعدها دلوني اذن على "ترزي" ماهر في هذه الايام!
لا ادري لماذا أتذكر ذلك كله وأنا مهموم
بالمناخ الضبابي الذي أشاعه –ولا يزال- القانون الشهير 93 لسنة 1995 بتعديل قوانين
العقوبات والإجراءات الجنائية ونقابة الصحفيين بهدف تغليظ العقوبات في جرائم النشر
والرأي فما جرى فيه وله والملابسات "السرية" التي أحاطت باعداده وتمريره بليل وفي
غيبة الرأي العام فضلا عن أصحاب الشأن قد اثار التأسي على عصر الفقهاء العظام
و"صياغ" القوانين المهرة واسطوات التشريع المرموقين الذين تميزت بهم مصر عبر
العصور والذين وضعوا دساتيرها السبعة وقوانينها المتراكمة- حلوها ومرها – لينها
وشديدها – بل الذين خرجت سمعتهم القانونية ومهاراتهم الحرفية إلى الدول العربية
الشقيقة فساهموا في صياغة الميثاق العالمي لحقوق الإنسان -1948- إلى المشاركة بعقل
راجح وصنعة متميزة في كل المعاهدات والاتفاقات والمواثيق الدولية التي مازالت
قائمة حتى اليوم، إلى التحكيم عبر محكمة العدل الدولية وشبيهاتها!
بل إن المدرسة الدبلوماسية المصرية، تميزت
أيضا عبر العصور والأزمات الإقليمية والدولية بأنها مدرسة الصياغة الدقيقة ذات
الوضوح والجلاء والاتزان والتراضي والتوفيق بحكم ما ضمت على مر التاريخ من عقول
سياسية مفكرة وفقهاء قانون فاهمين واعين لحقائق الامور وطبائع العصور ومخارج
الأزمات!
فماذا جرى لنا إذن، في المراحل الأخيرة حتى
تخرج قوانيننا ناقصة أو حائرة أو مطعونا فيها هل انقرض عصر الاسطوات وكبار
المعلمين المهرة ام أن انصاف الاسطوات والصبية غير المهرة قد استولوا على الصنعة
فأداروها وفق قدراتهم المحدودة ومهاراتهم الضعيفة إن الحرفة كلها قد أصبحت اسيرة
القرار الإداري بدلا من أن تكون ترجمة لتطوير المجتمع وتلبية لمتطلباته وتحقيقا
لأهدافه.
في هذا المجال لا نريد أن نتذكر إحداثا مريرة،
عصفت بمصر قبل نحو خمس عشرة سنة حين تأزمت الحالة السياسية واظلم المناخ باحتقانات
حادة قطعت أوصال الحوار في المجتمع وطفا الإرهاب المسلح لأول مرة متجرئا على
الدولة ورموزها ولعبت الأيدي الأجنبية في تلابيب البلاد، ساعتها اشار مستشارو
السوء على الرئيس انور السادات بأن الحل هو المواجهة العنيفة وكانت سلسلة القوانين
الاستثنائية المشهورة بالقوانين سيئة السمعة احد سبل المواجهة تلك بعد أن عكف
ترزية من انصاف المهرة على صياغتها على عجل وبتجاهل لطبيعة العصر والتطورات وعكس
اتجاهات المجتمع وضد الديمقراطية.
وقد اثبتت الاحداث أن جريمة هؤلاء الترزية هي
احدى اهم أسباب الاحتقان السياسي الذي ساد لفترة عصبية حتى انهاه تولي الرئيس حسني
مبارك الحكم في عام 1981 مبشرا بالتوجه الديمقراطي والتصالح الوطني على عكس
اتجاهات عقلية التوريط وفقهاء التأزيم وخبراء الايقاع الذين تعودوا اللعب في
الازمات وخلال الأوقات الحرجة بتفصيل المآزق واختلاق المعارك.
وإذا كان الصحفيون والكتاب وأصحاب الرأي
وخبراء السياسة وأساتذة القانون الواعون قد اجمعوا على معارضة التعديلات الاخيرة
الهادفة إلى تشديد العقوبات في جرائم الرأي واسقاط الحصانة الرمزية لأصحاب القلم
وقد توج ذلك الاجماع من خلال الجمعية العمومية التاريخية للصحفيين رفضا قاطعا لهذه
التعديلات فإن اللافت للنظر هو تهافت الهجوم العكسي الذي شنته قلة ضئيلة – جرى
تلميعها- من المدافعين والمبررين دفاعا عن هذه التعديلات، وتبريرا لها وسط استنكار
من خلايا المجتمع الحية، إن لم نقل استهجان الرأي العام كله!
يكفي دليلا على التهافت أن تسمع احدهم يقول إن
القانون صدر ليدافع عن حرية الصحافة وليحمي الديمقراطية وأن يدعي أن تغليظ
العقوبات ضرورة لأن الصحفيين -لاحظ الجمع والتعميم- ينتهكون حريات الناس ويشنعون
على المسئولين بل ويشتمون بعضهم بعضا على صفحات الصحف! أو أن يزعم اخر أن تشديد
العقوبات هذه اخف من مثيلاتها في القوانين الألمانية والبريطانية والفرنسية ثم
يصمت عمدا مع سبق الإصرار عن ذكر الضمانات والحصانات الهائلة التي تكفلها هذه
القوانين لأصحاب الرأي والصحفيين ! أو أن يباهي احدهم بأن المادة الملغاة حول عدم
حبس الصحفيين احتياطيا في قضايا الرأي والنشر كانت مادة غير دستورية بينما هذه
المادة مضى على وجودها نحو نصف قرن ولم يقل احد انها غير دستورية.
على اننا نستطيع أن نفند كل هذه الدعاوى
المتهافتة التي تحاول أن تبرر وتسوغ دون مستند قانوني أو برهان عقلي مقنع لكن
المضحك فعلا هو أن تسمع احد المبررين يحاول امتصاص الغضب العام، وطمأنة الصحفيين
والكتاب وأصحاب الرأي بقول: لا تخافوا أو تقلقوا، إن القانون لن يطبق، اذن لماذا
صدر، إن كانت النية هي عدم تطبيقه ومتى كانت مثل هذه الأقوال المبررة ضمانة لعدم
تطبيق قانون قائم، ولان المبررين يعرفون في أعماقهم تهافت تبريراتهم الساذجة وعدم
اقتناع الرأي العام بها فإنهم لجأوا إلى سلاح الابتزاز والتشهير وتلويث سمعة
الكتاب والصحفيين جملة، عبر حملة هجوم مضاد بالغة الشراسة، دون أن يعوا انهم
يشهرون حقيقة بمصر مجتمعا ودولة، وأنهم يلوثون سمعة الحكم بينما يدعون الدفاع عنه
ويسخرون من كل تاريخنا وتراثنا بل ومن عقولنا حين يتهمون الصحافة –بالتعميم-
والصحفيين -بالجمع- بالافتراء والتشهير وانتهاك حريات الناس، متجاهلين الدور
الوطني لهذه الصحافة على مر التاريخ، وخصوصا في السنوات الأخيرة، التي كانت فيها –
الصحافة والصحفيون – صاعقة الهجوم ضد الفساد والإرهاب والتطرف وكتيبة الدفاع عن
الديمقراطية والتنوير والتسامح، وكذلك الحال في المعارك الكبرى والمواجهات الوطنية
والقومية، من مقاومة الهيمنة النووية الإسرائيلية إلى الدفاع عن القرار الوطني
المستقل في وجه الضغوط الدولية، في وقت كان فيه هؤلاء المبررون يؤثرون السلامة
وينتظرون حسم المعارك، ليميلوا مع اتجاه الريح، فيستمتعوا بلذيذ الترف في السهرات
الناعمة والصالونات الفاخرة.
يبقى أن نحاول الإجابة عن السؤال الجوهري،
الذي يمكن أن يطرحه، أي عاقل في مثل هذه المحنة: هل كان حقا في حاجة إلى قانون
جديد، يغلظ العقوبات ويشدد التشريعات، بحجة أن هناك من تجاوزوا، وفي هذه الظروف
بالذات؟
سنبدأ الاجابة باقتباس معنى بالغ الاهمية
والدلالة، عن مهمة التشريع وطبيعة هدفه واتساقه مع مطالب المجتمع، يقول الدكتور
محمد نور فرحات أستاذ القانون العاقل المستنير: الأمر الصعب والمهم في العملية
التشريعية، ليس أن يصدر التشريع بموافقة ميسرة في ليلة تشريعية متعجلة، وإنما أن
يكون التشريع كفؤا، أي أن يحقق الأهداف المرجوة منه، وظني أن عددا كبيرا من
تشريعاتنا لا تحقق الهدف منها، لأنها لا تراعي الأسس العلمية في صناعة التشريع،
فتتحول إلى مجموعة من الأوامر والتعليمات، التي لا تجد من يمتثل لها أو يطبقها، إن
أهم اسس التشريع هي التزام المشرع بمجموعة من المثل التشريعية الكبرى، وأن يكون
التشريع راسخ الجذور في التربة الاجتماعية، فالتشريع ليس مجرد إفصاح الدولة عن
إرادتها، مهما كان محتوى هذه الإرادة بل يجب أن تكون هذه الإرادة محكومة باعتبارات
العدل والحرية.
وحين نجتهد بعد ذلك في الاجابة بالحقائق
والنصوص القانونية، ندعي أن التعديلات الاخيرة لم يكن لها مبرر تشريعي حقيقي
وعاجل، اللهم الا أن يكون المبرر هو رغبة إدارية في تخويف اصحاب الفكر وشهوة
التضييق على حرية الرأي والصحافة. ذلك أن في قوانيننا القائمة عشرات المواد
والنصوص الحاسمة والرادعة، في حالة الخروج على القانون والأصول فيما يتعلق بحرية
الرأي والنشر أساسا، التي يشكو منها، ويشكك في نزاهتها، اصحاب الهوى والغرض.
والغرض مرض!!
ولقد قسمنا هذه القوانين إلى نوعين القوانين
الاستثنائية والقوانين العادية – راجع كتابنا "أحزان حرية الصحافة" – فإن كنا
نعادي من حيث المبدأ القوانين الاستثنائية ونطالب على الدوام بتصفية تركتها
الثقيلة، إلا أن بعضها لا يزال قائما بضغط على الرأي ويقيد الحريات، بعد أن تم
إلغاء بعضها مؤخرا – يكفي أن نراجع النصوص الغليظة الواردة في قوانين الطوارئ،
وحماية الوحدة الوطنية وحماية الجبهة الوطنية والسلام الاجتماعي، وحماية القيم من
العيب، ومحاكم أمن الدولة، والأحزاب السياسية، وسلطة الصحافة – وقد صدرت كلها فيما
بين 1971 – 1980 لنكتشف أن فيها عقوبات أشد غلظة وأعنف ردعا وأقسى ضغطا على
الحريات العامة بشكل أساسي وحرية الرأي والتعبير بشكل خاص، مما يستدعي ضرورة
تصفيتها نهائيا.
أما حين نعود إلى القوانين العادية المستقرة
وقد مضى على بعضها أكثر من ستين عاما، نجد أن هناك ثلاثا وثلاثين مادة على الأقل
في قانون العقوبات والمطبوعات، تتعامل مع قضايا الرأي والنشر والقذف والسب
والتجاوز والتشهير ونشر الأخبار الكاذبة، وصولا للتحريض على قلب نظام الحكم وتكدير
السلم وإهانة رئيس الجمهورية ورؤساء الدول الأجنبية، وتضع الشروط والمواصفات،
وتحدد العقوبات في كل حالة بدقة واضحة وصياغة تشريعية دقيقة، تسمح للقاضي بإقامة
ميزان العدل، وتعطي الخصوم الواقفين المتساوين أمام قاضيهم الطبيعي فرصا متساوية
في البحث عن العدل، دفاعا عن أنفسهم وآرائهم!!
فهل كنا حقا في حاجة إلى التعديلات المفاجئة
والمباغتة، والمغلطة للعقوبات المحاصرة للحريات المثيرة للأزمة والمحنة الراهنة،
بينما لدينا كل هذه الترسانة القانونية – الاستثنائية والطبيعية العادية – التي
نعتقد أن بعضها وخصوصا الاستثنائية، لم يعد ملائما لعصر الانفراجة الديمقراطية،
ولم يعد صالحا للتوافق مع عالم يقدس الحريات ويحمي حقوق الإنسان – وخصوصا حرية
الرأي والتعبير – ولم يعد متسقا مع عهد بدأ، بسمح غبار عاصفة سبتمبر – أكتوبر 1981
عن وجه مصر الصبوح، مبشرا بتطوير ديمقراطي سلمي وسليم ودستوري. ثم تبقى الخلاصة
وهي أن كل أحداث التاريخ قديمها وجديدها، أثبتت أن ترسانات القوانين الغليظة ليست
كافية لتكميم الأفواه، وقهر الحريات، واعتقال الأفكار وحجب الرؤى وإجهاض الآمال.
ذلك أن القوانين توضع وتلغى، والقيود تفرض وتسقط لكن الكلمة الصادقة والحرة تظل
صامدة، ففي البدء كانت الكلمة. وستظل حتى المنتهى.
الآن رغم المساوئ العديدة للقانون 93 لسنة
1995، الذي جاء ليشدد الأحكام ويغلظ العقوبات على الصحافة وحرية الرأي والتعبير في
مصر، إلا أن حسنته الوحيدة – إن كانت هناك حسنة واحدة – هو أنه قد أثار الأزمة
الطاحنة، وعكر المسار الديمقراطي وأصاب أوضاع الصحافة خصوصا بمزيد من الأوجاع، ومن
ثم فقد كشف للرأي العام، كما للقيادة المسؤولة والصحفيين الممارسين عن ضرورة
التغيير وحتميته الآن قبل الغد!
وضرورة التغيير، عبارة عن كلمتين فقط، لكنها
في اعتقادنا تلخص الموقف برمته، وتحدد المطلوب بوضوح وصراحة، ليس فقط على مستوى
الصحافة ووسائل الإعلام، ولكن على كل المستويات، فثمة أوضاع قديمة اهترأت وثمة
أخطاء وقعت وثمة معالجات خاطئة وسياسات قاصرة تراكمت، ومعها تراكمت قوانين
وتشريعات لم تعد صالحة أو مقبولة في زمن التحولات الكبرى نحو استكمال المسار
الديمقراطي الذي اختارته مصر فاستقر فيها عبر أكثر من عشر سنوات!
ونحسب أن الوقفة الجريئة لجموع الصحفيين –
المسنودين بقوة الرأي العام – ابتداء من يوم العاشر من يونيو 1995 ضد كل تقييد
لحرية الرأي والتعبير، فيما أصبح يعرف بانتفاضة الصحفيين، قد تركزت حول هذا المعنى
البليغ الدقيق.. ضرورة التغيير، فقد جاء الإصدار المتعجل والمتعسف للقانون المشبوه
إياه ليفجر كل أوجاع الصحفيين ويفتح كل جروح الصحافة، بعد أن تراكمت عليهم وعليها
الضغوط والقيود، وهددها التخلف في السباق وأرهقتها الاختراقات الداخلية والخارجية،
والسياسية والمهنية والمالية، وعصفت بها المساوئ المهنية والأخلاقية!!
وقفة العاشر من يونيو وما بعدها إذن لم تكن في
مفهومنا مجرد مظاهرة احتجاج ضد تعديل قانون متعسف رأى فيه الصحفيون قيدا جديدا على
حرية الرأي والتعبير وتكبيلا إضافيا لحرية الصحافة خصوصا في كشف الفساد وفضح
المفسدين والمنافقين، ولكنها كانت وقفة ثورية تطلب الإصلاح العاجل لأوضاع مختلفة
حكمت المهنة فأفسدت فيها، وتصر على التغيير الحاسم تطلعا لعصر جديد من الصحافة
الحرة، العاكسة لحرية المجتمع القادرة على قيادته وتوجيهه وإنارته بالمعلومة
والحقيقة والرأي وأملا في شرعية جديدة تحدد بوضوح وتصوغ بعقلانية العلاقة بين
الصحافة والسلطة في دول تتجه بكل أملها نحو الديمقراطية بعد أن سقطت الشرعية
السابقة المتهاوية في قاعة الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين يوم العاشر من يونيو!
ولذلك قلنا منذ البداية: إن وقفة الصحافة
وغضبة الصحفيين هذه لم تكن ضد تعديل قانون جديد متعسف فقط جاء في غير أوانه وغير
مكانه، ولكنها كانت وقفة اعم واشمل تطلب فتح الجروح التي طال تقيحها دون تطهير،
ومن ثم فإن الموقف الراهن يستدعي التطهير والتطوير والتغيير، بلا لف ولا دوران!
والأمر إذن يقتضي نظرة شاملة إلى أوضاع
الصحافة والإعلام في دولة كبيرة مثل مصر عرفت منذ القرن الماضي موجات الليبرالية
والبرلمانات واستقرار القوانين والصحافة الحكومية والأهلية، وتقلبت فيها الأوضاع
بخبرة سياسية عميقة من اليمين إلى الشمال وبالعكس ومن عهود الاستبداد والحكم
المطلق إلى عهود النهج الديمقراطي والحريات العامة ومن الرقابة المباشرة على الصحف
إلى الانطلاق الكامل لحرية الصحافة ومن التطرف والتعصب والانغلاق إلى التسامح
والتعايش والاستنارة.
وعلى مدى قرنين من الزمان تقلبت أيضا قضية
علاقة الصحافة بالسلطة وحرية الرأي والتعبير ما بين سعير الكبت والقهر وجنة الحرية
والانطلاق، وتأمل معنا هذه المسيرة الطويلة منذ أول قانون للرقابة على المطبوعات
أصدره القائد الغازي نابليون بونابرت حين جاء إلى مصر على رأس الحملة الفرنسية في
نهاية القرن الثامن عشر حتى أحدث قانون مغلظ للعقوبات مقيد للحريات أصدره البرلمان
المصري – المنتخب – في نهايات مايو 1995 أي والقرن العشرون يوشك أن يكتمل ويودع!
طوال هذا التاريخ تراكمت آلاف القوانين
والتشريعات بحلوها ومرها، هينها وغليظها، وتنوعت العهود السياسية الحاكمة، ومعها
تعددت نوعية العلاقة التي ربطت الصحافة بالسلطة التصاقا أو ابتعادا، تصادقا أو
تصادما، لكن مُضي السنين لم يدفع أحدا لمراجعة شاملة لهذه العلاقة ولا لتصفية تلك
القوانين، والتنسيق بينها وإزالة المتناقضات الكثيرة منها، فاتسعت الثقوب
القانونية وزادت العيوب السياسية وضغطت جميعها على قلب الصحافة إلى حد كبير، الآن
وقد فجر القانون (93 – 95) الموقف فإن أوان المراجعة الشاملة قد جاء، ولابد من
الإمساك بهذه الفرصة خصوصا من جانب الصحفيين وأصحاب الرأي والمدافعين عن حقوق
التعبير والتفكير والاجتهاد، إذ أن إسقاط أو تعديل أو "تنويم" القانون المذكور
إياه عملية سهلة – سياسيا وقانونيا ودستوريا بعد أن سقط شعبيا في قاعة الجمعية
العمومية للصحفيين– لكن الأصعب هو أن نتخذ من معركته مدخلا للإصلاح والتطوير لكل
أوضاع الصحافة وأوجاعها، فنبدأ به مسيرة التغيير والتطهير لكل الأدران والأمراض
التي تزاحمت على الجسد الصحفي حتى أرهقته وأمضته وأصابته بالذبول المفضي حتما إلى
شلل فالموت البطيء أو السريع!
ونحسب أن قرار الرئيس مبارك – خلال اجتماعه
بمجلس نقابة الصحفيين بحثا عن مخرج للمأزق الراهن – القاضي بتشكيل لجنة لوضع قانون
جديد ينظم كل شؤون الصحافة في مصر خلال ثلاثة أشهر يمكن أن يكون أحد المداخل
المحورية لما نطالب به وتصر عليه الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، التي انفجرت
غضبا وثورة من جراء ما يعتمل في الصدور من تراكمات كثيرة محبطة وحانقة، وإن ركزت
أولا على إسقاط القانون المشبوه.
ولأن مهمة مثل هذه اللجنة مهمة شاقة وخطيرة،
فإننا يجب أن نحيطها بسياج من الضمانات النظيفة والنزيهة والموضوعية سياسيا
وقانونيا ومهنيا حتى يأتي عملها على نفس المنوال، وإلا فقدت منذ البدء مصداقيتها،
وفقد عملها الهدف المبتغى من الجميع، وأولى الضمانات التي طالبنا بها أن يكون
تشكيلها قوميا بمعنى: أن يجمع تمثيلا واسع الزوايا متعدد الرؤى خصب الاجتهادات
الفكرية والصحفية والسياسية والاجتماعية، وأن يكون موضوعيا بمعنى: أن يجمع كفاءات
علمية ذات عمق ثقافي مهني قانوني تؤمن بحرية الرأي والحوار وترجيح العقل واستنارة
التفكير، لأنها لا تتعامل مع قوانين متعلقة بالغش التجاري أو بتنظيم تجارة الحديد
والأسمنت أو مطاردة الإرهابيين والقتلة لكنها تتعامل مع قوانين تتعلق بالرأي
والفكر والنقد وتدفق المعلومات، وحق المجتمع في أن يعرف ويفكر ويستنير ويختار
بحرية في عالم مفتوح على مصراعيه لا يمكن فيه إخفاء الأسرار أو تزييف الأخبار أو
تلوين الأفكار!!
وعلى هذا الأساس فإننا كنا ننتظر توازنا دقيقا
في تشكيل هذه اللجنة القومية الموضوعية، توازنا لا يقوم على الاختيارات
البيروقراطية بحكم المناصب وحدها – ولا على الانتماء الحزبي أو المصلحي لضمان
النتائج وتسيير التوجهات – ولكننا طلبنا توازنا بين أربعة عناصر رئيسية هي: الخبرة
القانونية الدقيقة، والرؤية السياسية التعددية، والحس الاجتماعي العميق، والنظرة
المهنية المتخصصة لتصبح قادرة قولا وفعلا على مراجعة شاملة للقوانين والتشريعات
التي تحكم الصحافة وتنظم علاقاتها بالدولة والمجتمع وتصوغ من ثم تشريعا جديدا
متكاملا يتسق مع طبيعة العصر ومع توجهات مصر نحو الديمقراطية، وتخلصنا جميعا من
تراكمات التشريعات المتتالية – والمتضاربة – وأحيانا – التي صدرت معبرة عن عهود
سابقة وفي ظروف سياسية واجتماعية وثقافية مغايرة. لم تعد ملائمة لوقتنا الراهن،
ولا قادرة على الدخول بصحافتنا إلى القرن الواحد والعشرين.
ولعل الحدث المحزن الأخير الذي فجر الأزمة
وأساء إلى مجمل الأوضاع السياسية والصحفية صدور القانون 93 – 95 قد اثبت بالدليل
القاطع أن غياب هذه العناصر الأربعة عن صياغة هذا القانون المتسرع والمتعسف، قد
أوقع الجميع في المأزق الأخير، فمما لا شك فيه أن واضعيه ومقدميه ومصدريه – مع
احترامنا لوظائفهم العليا – قد نقصتهم الخبرة القانونية التشريعية الفنية الدقيقة
التي اشتهر بها المشرعون المصريون على طول الزمان، وغابت عنهم الرؤية السياسية
والحس الاجتماعي، فلم ينظروا نظرة سياسية اجتماعية واسعة إلى معنى تغليظ العقوبات
وتشديد القيود على حرية الرأي والتعبير في مجتمع يغلي بالتطورات السياسية وتعصف به
الأزمات الاجتماعية الاقتصادية، بينما هو يعمل على التخلص من بواقي الشمولية،
ويتطلع نحو اكتمال الديمقراطية، وفضلا عن ذلك تجاهلوا النظرة المهنية لأصحاب
الشأن، وكأنهم كم مهمل، بينما هم – الصحفيون – الأعلى صوتا والأشد حساسية دفاعا عن
التطور الديمقراطي بكل حرياته وحقوقه وواجباته العامة والخاصة والأكثر قدرة على
حشد الآخرين بل وتأليب الجميع عند اللزوم!!
ولو كان المكتبيون البيروقراطيون واضعو
القانون صانعو المشكلة خالقو الأزمة، قد اعملوا عقولهم بعيدا عن حدود المكتب
وأعطوا لفكرهم حرية الحركة "الديمقراطية" خارج خدود المنصب، ولو أنهم وضعوا
البوصلة السياسية والمقياس الاجتماعي أمامهم، ولو أنهم قاسوا رد الفعل لهذا
القانون الأخير في الشارع وفي أوساط الصحفيين والكتاب أصحاب الشأن فضلا عن القوى
السياسية والاجتماعية والثقافية التي تزخر مصر بنشاطها وحيويتها، لما كانوا قد
فعلوا فعلتهم بهذه البساطة أو الاستهانة بالآخرين، أو بهذا القدر من الاحتقار لكل
ما يعلنه النظام عن التمسك الكامل بالتوجه الديمقراطي السليم!!
وإذا كشف كل ذلك عن شيء فإنه كشف وضوحا عن أن
أعداء الديمقراطية المتآمرين على النظام الموقعين به كل يوم في أزمة جديدة وصدام
جديد مازالوا حزبا قويا يعشش في دهاليز الإدارة الحكومية البيروقراطية، ويتسلط على
فكرها محكما فكره غير الديمقراطي متمسكا بمبدأ أن "رجال الحكومة" هم وحدهم أصحاب
السلطان في هذا البلد، وأن سيطرة الحكومة يجب أن تظل هي المنفردة حتى لو ظل رئيس
الدولة يبح صوته صباح مساء مناديا بالديمقراطية مدافعا عن إنجازه الحقيقي في إطلاق
حرية الرأي والتعبير، متمسكا بحتمية التطوير والتغيير نحو الأفضل والأصلح مصرا على
التعددية السياسية والحزبية والفكرية والصحفية!
هذا إذن هو الخطأ الذي لا نريد تكراره والدرس
الذي نريد الاستفادة منه عند الحديث عن صياغة القوانين المنظمة لأوضاع الصحافة في
مصر، ومن ثم النتائج التي سينتظرها ليس فقط كل الصحفيين وأصحاب القلم والرأي ولكن
كل القوى السياسية والاجتماعية والثقافية في مصر، لأن الأمر ليس متعلقا بالصحافة
وحدها – وإن كان ذلك صحيحا من حيث الشكل ولكنه متعلق بحق أساسي من حقوق الإنسان،
هو حق المعرفة وبحرية أساسية هي حرية الرأي والتعبير، وهما يرتبطان بكل خلايا
المجتمع الحية، بل بمستقبل مصر ذاتها وطن الحرية والتقدم والاستنارة.
|